فن اللعبة

peeking
Standard

(نشرت هذه القصة في جريدة الخليج عام 2005)

رفعت أصابعي عن لوحة المفاتيح ، ألقيت بظهري على مسند الكرسي الدوار و أخذت أعب جرعات هواء متلاحقة علها تخفف من حدة شعوري بالإختناق. حتى هذه الموسيقى التي كنت أعشقها باتت تفوح منها رائحة الرتابة التي تطوقني بشعور من الغثيان يختمر بين جدران الغرفة. نقرت على الفأرة لأسكت مقطوعة الفصول الأربعة لفيفالدي وجلت ببصري على الحيطان .. هذه الجدران الباهتة، المكرمشة، لابد أنها تمقتني كما أمقتها.. نظرت إلى الركن الذي كان يحلو لي أن أمارس عليه لعبتي القديمة ، لعبة مارستها على جدران عدة احتوتني في مراحل مختلفة من حياتي.. هي بالأحرى لعبة ألعبها مع الجدارالذي أختار ..حيث نجلس متقابلين، أحدق به و يحدق بي .. أستشعره و يستشعرني .. أستنطقه و يستنطقني .. و نظل هكذا حتى نبلغ ذروة الإتصال.. فأنتزع منه صورة انتزعها مني.. لوحة فنية .. لا تنعكس عليه بل تبرز في تلك المسافة التي التقيا فيها بعضينا.. في برزخ بيني و بينه. أراها رؤيا العين ، و أعاينها بعين اليقين لأقع على كل حذافيرها، فتدهشني دقة تفاصيلها، و يذهلني جمال تكوينها.. أذهب إليها لأهيم في غياهبها، وأتذوق لذة الإمتزاج إلى أن يرتد إلي طرفي. حينئذ ينقطع الإتصال و تتلاشى الصورة كأنها لم تكن شيئآ مذكورا.. و ترتد إلي نفسي كاملة غير مقصورة… لأظل بعدها مأخوذاً مبهوراً.. أعيد الكرة ، أحاول.. و قد يحصل الإتصال لتنبثق أمام ناظري لوحة فنية لا تقل عن الأولى جمالآ و روعة رغم اختلافها عنها إذ لم يحدث أن رأيت نفس الصورة مرتين.
هذا السر الذي أتقاسمه مع الجدران هو لعبة لُقنتها منذ الصغر، أول من علمني إياها جدار حمام الطفولة في بيتنا القديم ..في أول بيت احتواني.. يجلسني أمامه ليعلمني أن من الصور لسحرا، وكيف يمجد الفن و تُقدَّس الفكرة. كانت لعبتنا تستمر لساعات غير عابئين بخبط إخوتي على الباب أو تهديدات أمي بفتح الباب عنوة. فتنت بما رأيت و مضت تلك الصور الجميلة تغريني برسمها .. تغريني بالإحتفاظ بشيء يشبهها، فرحت أحاول تجسيدها في دفتري. ويحدث أن يعثر أخي الأكبرعلى دفتري هذا فيعرضه على معلم التربية الفنية.. و هكذا يبدأ مشواري في حصد جوائز الرسم .
شكرآ لتلك الجدران التي ألهمتني…كل صورة رسمتها هي سر أفشاه أحد الجدران التي لاعبتني أيام كنت أتقن اللعب .. كبرت و كبر معي شغفي باللعبة و بالفن..إذ كلما تمرست في اللعبة كلما أبدعت أكثر في فني ..و بدأت معارضي الفنية تلقى إقبالآ منقطع النظير.. أما وسائل الإعلام فلم تأل جهدآ في دعم الفنان الشاب . انبرى العديد من النقاد لطرح دراسات مستفيضة عن أسلوبي الفني.. و تساءلوا عن مصدر الوحي الكامن خلف روائعي الفنية.. كنت أجول بمعارضي و أكاد أبدي بسري قائلا” : لوحة ” الفارس المشوه ” نقلتها عن حائط إحدى قاعات المحاضرات أثناء دراستي الجامعية، أما لوحة ” راقصة على الجرف ” فقد أسر لي بها حائط غرفة المعيشة في منزل عمي ، و لوحة ” قبلة الأشجار” تراءت لي على حائط غرفة المستشفى التي أقمت فيها بعد استئصال زائدتي الدودية. وهكذا.. أما متى توقفت اللعبة عن كونها مجرد لعبة؟!! فهذا أمر لاأسنطيع تحديده .. كل ما أدركه أن علاقتي بالجدران بدأت تختل تدريجياً.. أضعنا متعة اللعبة ثم شح الإتصال حين صار الإلتقاء فرضاً، ثم استجداءً، إلى أن منع العطاء..
حين تقلدت منصبي كمدير لهذا المعهد الفني كان الإتصال قد بدأ يصبح صعب المنال.. كنت أمعن النظر في هذا الركن الذي اخترته و أجهد في حمله على اللعب معي.. لم يمتثل لي سوى مرتين خلال العام الأول من عملي هنا.. مر على ذلك أربعة أعوام، اختفت خلالها الصور و حجب عني فن اللعب . و مع توقف اللعبة فقد توقف إنتاجي الفني، و باتت أعذاري الواهية بانشغالي بإدارة المعهد لا تقنع أحداً.. عذري الأوحد الذي أوقنه أن هذه الجدران تكرهني.. أكاد أشعر بانقباضاتها تخنقني لتلفظني خارجاً.. خارج هذه الغرفة البائسة..
أنتفض واقفاً. أتفحص طاولة المكتب على عجل .. ألتقط هاتفي النقال..رزمة مفاتيح..و صورة صغيرة في إطار مذهب .. و أرحل.

اترك تعليقا