هذا ما كتبه تشيخوف عن تولستوي

Standard

Tolstoy_and_chekhov

كثيراً ما كان يكتب أنطوان تشيخوف لليو تولستوي ؛ لكن جل رسائله قد قوبلت بالصمت المطبق . ومن فرط قلق تشيخوف على صحة تولستوي ، فقد كان يلجأ إلى الصحف لتقصي الأخبارعن صحة صديقه . في الرسالة التالية يتطرق تشيخوف إلى المجال العصبي من دراسته الطبية ، في محاولة منه لتشخيص ما يشاع حول أعراض مرض تولستوي .
الطريف في الأمر،أنه في هذه الأثناء، كان تولستوي يتمتع بصحة جيدة وحياة صاخبة للغاية في موسكو. وكان قد حضر للتو في 24 يناير عرض “العم فانيا “، والذي دفعته جرأته بعدها للتصريح لتشيخوف بقوله: ” تعلم تماماً أنني لا أطيق مسرحيات شكسبير، وبالرغم من ذلك فمسرحياتك أسوء من مسرحياته”.

لميخائيل أوسيبوفيتش
يالطا،
190028 يناير

عزيزي ميخائيل أوسيبوفيتش ،
إن مرض تولستوي يحيرني، لم أتلق رداً على رسالتي من تشيرينوف، ومن المستحيل التوصل إلى أي استنتاج مما تكتبه الصحف أو مما كتبته لي. إن القرحة المعوية أو قرحة المعدة تنطويان على أعراض مختلفة عن هذه. لذا فأنا أستبعدهما. ومن المحتمل أن يكون قد عانى من عدة تمزقات في جدار الأمعاء نجمت عن تشكل ومرور حصى المرارة عبر أمعائه . كما أنني أستبعد إصابته بالسرطان، لأن السرطان يتبدى في فقدان عارم للشهية و تدهور في حالته العامة ، ولكن قبل كل شيء ، فإن وجهه سيشي بذلك، لو كان مريضا بالسرطان. لا، ليف نيكولايفيتش هو على الارجح على ما يرام ( باستثناء حصى في المرارة ) وأمامه عشرون سنة أخرى ليحياها.
لقد أخافني مرضه وأربكني. فأنا أخشى موت تولستوي . إن موته سيترك فراغاً كبيراً في حياتي.. أولا ،لأنني لم أحب أي رجل في حياتي بقدر ما أحبه. أنا لست مؤمنا ، ولكن من بين جميع المعتقدات أعتبر معتقد تولستوي الأقرب والأنسب إلى نفسي. ثانياً ، انتماء تولستوي للأدب، يجعل المرء فخوراً بكونه كاتباً. حتى وإن علمت أنك لم تنجز ولن تنجز شيئاً، فإنك لن تستاء لعلمك أن تولستوي قد أنجز ما يكفي نيابة عن الجميع. إن ما حققه يقدم مبرراً كافياً للأمال والتطلعات التي عادة ما تبنى على الأدب.
ثالثاً ، تولستوي يقف كسد منيع ، سلطته هائلة، و طالما هوعلى قيد الحياة فإن الذوق السيء في الأدب، وجميع صنوف الابتذال بأوجهها الصفيقة، والخيلاء المارقة ستتوارى في خلفية صورته. سلطته المعنوية وحدها كفيلة بالحفاظ على الحد الأدنى مما نعتقده في الاتجاهات والمدارس الأدبية. لولاه، لكان الأدب قطيعاً بلا راع أو خليطا فوضويا لا يسبر غوره.

ولأختم هذا الحديث حول تولستوي ، اسمح لي أن أقول كلمة واحدة عن رواية “البعث” ، والتي قرأتها في جلسة واحدة ، وليس كرشفات على عجالة . هي تحفة فنية بديعة . أضعف
جوانبها هو ذلك الذي يختص بعلاقة نيكليندوف بماسلوفا. وأكثرها إثارة هو الأمراء والجنرالات وعمات نيكليندوف، والفلاحين والسجناء وحراس السجون. بالكاد استطعت التنفس وأنا أقرأ مشاهد الجنرال القائد لقلعة بيتر وبول والروحاني في الوقت ذاته. كان ذلك رائعاَ!
ومدام كورتشاجينا تتنقل محمولة على كرسيها. وزوج فيدوسيا الفلاح الذي يدعي أنه زوجته قادرة على تحمل أي شيء.هذا هو قلم تولستوي الحي، يستطيع تولي كل أمر.
إلا أن الرواية تفتقر للنهاية. بل لديها ما لا يمكن تسميته بالخاتمة. أن تكتب كل هذا ثم تقرر فجأة أن تفسر كل ما حدث من خلال نص إنجيلي تختم به الرواية لهو أمر قد يودي ببنيان النص.
إن حل كل شيء بنص إنجيلي هو إجراء تعسفي يشبه تصنيف المساجين إلى خمس فئات، إذ لم تكون خمس فئات وليست عشرة؟!
لم نص من الإنجيل لا القرآن؟! يتوجب عليه أولا أن يجبر قراءه على الإيمان بالإنجيل، الإيمان بأنه وحده هو الحق،حينها فقط يستطيع حل كل العقد من خلال النص الإنجيلي.

هل أصبتك بالسأم؟ إن حضرت إلى جزيرة القرم سأقوم بإجراء لقاء صحفي معك و أنشره في صحيفة اليوم. إن ما يكتبه الصحفيون حول صحة تولستوي يشبه ما تثرثر به العجائز عن القديسين الحمقى.. هراء متملقين!

سأحرص على إرسال صورتي إليك . ويسعدني أنني انتخبت عضوا في الأكاديمية لأنه مما يثلج الصدر أن أعرف أن سيغما يحسدني الآن .إلا أنني سأكون أكثر سعادة عندما أخسر اللقب بعد سوء فهم ، وذلك لأن العلماء في الأكاديمية يبطنون خشية منا بأننا في طريقنا لأن نصدمهم . لقد انتخبوا تولستوي على مضض. فهو في نظرهم عدمي. وهذا ما أطلقته عليه إحدى السيدات – وهي زوجة لعضو في المجلس- وباعتقادي فإن هذا أمر جدير بأن أهنئه عليه.

اترك تعليقا