” ماذا بعد الهزة؟! “

Standard

 مقالتي الثانية في مجلة الإعلام و العصر، عدد مارس

هناك جروحٌ نفضل ألا نلمسها، ألا نعترف بوجودها، لأن مجرد مساسها مدعاة للوجع.” وديمة” .. ما أشد هذا الجرح إيلاماً!

“وديمة” .. أكان يجب أن تعرينا قبل رحيلك أيتها الطاهرة؟!..

 أكان يجب أن تدفعي إلينا بمرآة قبحنا أيتها الملاك الجميل؟!

 نعرف أننا لم نعد كما كنا.. نعلم تماماً أن تلك الرحمة التي عمرت قلوبنا فيما مضى  وكانت تغمر القاصي و الداني قد تقلصت إلى تضاريس الأقربون فقط  أو إلى حدود الذات وحدها في أسوأ الأحوال. “وديمة” و “ميرة” طفلتان ذاقتا أصناف العذاب على يد والدهما و عشيقته. و أراد الله لوديمة أن تكون الصرخة التي توقظنا من غفلتنا. حادثة “وديمة” ليست متعلقة برجل تحجر قلبه و انسلخ عن انسانيته فقط،، بل هي الكوكتيل الذي خلطته لنا يد طفرة الحضارة التي قفزت بنا إلى هاوية اللا إنسانية.

لكن من هو قاتلك الحقيقي يا “وديمة” ؟! لقد تلطخت أيادٍ كثيرة بدمك يا صغيرتي..

أهو تاجر المخدرات الذي باع والدك هذه السموم، وزرع ألف وألف وديمة في بيوت نزع منها الدفء؟!، أم هي تلك الصديقة التي أبت إلا أن تكون حليفة الشيطان وتتفوق بشرها على شرور كل من أخطأ بحقها وأساء تربيتها فحولها إلى تلك المختلة البائسة التي تعاشر مجرماً سكيراُ في مجتمع محافظ من دون أن يتعقبها أحد أو يسأل عنها.

أهوذلك القاضي الذي حكم لوالد “وديمة” و”ميرة” بأحقيته في الحضانة، متجاهلاً كل ادعاءات الأم بأنه سكير يتعاطى المخدرات؟! ألا كيف سينام ذلك القاضي وقد انتشل وديمة من حضن والدتها و لقفها بكلمة خرجت منه ظلماً إلى هذا الوحش!.. ألا يعلم أنه لولاه لكانت وديمة بيننا الآن!

لا أريد أن أظلم الأم و لم أعرف أبعاد حكايتها، لكن، ألا تلوم نفسها على أنها لم تقاتل بما فيه الكفاية من أجل طفلتيها؟!

وماذا عن الجد والد القاتل الذي خرج علينا يطالب بإعدام ولده، ألم يكن أولى به أن يخطف حفيدتيه من قبضة هذا المجرم، لقد قضت الطفلتان ما يزيد على ستة أشهر في حضانة والدهما المتوحش، طالتهما خلال هذه المدة كل أنواع التعذيب من حرق و ضرب وحلق للشعر و حبس في الحمام. ألم يفكر جدهما أو أحد أعمامهما في الإطمئنان على تلك الصغيرتين اللتين تعيشان بلا أم، و هم على الأرجح يعلمون حالة ابنهم المتردية أخلاقياً.

ماذا عن المدرسة؟ بما أن الطفلتين قد انتقلتا إلى والدهما مؤخراً فقط، فمن المفترض أنهما كانتا ملتحقتين بالمدرسة حينما كانتا في عهدة الأم. ألا يحق للمدرسة متابعة طالب انقطع عن الحضور أو ربما الإبلاغ عن تغيبه؟

انقطاع الطفلتين عن المدرسة في حد ذاته- لو افترضنا أنهما انقطعتا- هو حجة كان بإمكان الوالدة استخدامها للطعن في حضانة الأب. أما إذا كانتا لم تنقطعا عن الدراسة فأين دور المعلمات في رصد التعذيب الخارجي الذي تعرضتا له و الذي شاهدناه جلياً من خلال الصور.

ماذا عن الجيران، هل بتنا نعيش في عالم انفرادي؟ نحن محاطون بالناس من كل صوب لكن المجتمع اتفق دون اتفاق على ألا يتعاطى الجار مع جاره، و أن كل بيت لديه كفايته من الهموم، و أن الداخل بين البصلة و قشرتها ما ينوبه إلا ريحتها- على رأي المثل المصري-. قد يكون جيران القاتل قد سمعوا أكثر من مرة صراخ الطفلة التي جلدها والدها بالسلك على مدى ستة أشهر لكنهم لم يحركوا ساكناً بحجة الخوف من عاقبة التدخل في حياة الآخرين، لكن عندما تكون حياة طفلة على المحك، ألا يكفي ذلك سبباً كافياً لكسر قاعدة البرود الإجتماعي هذه؟

 لقد حثنا ديننا الحنيف على الأخذ على يد الظالم، وكم من شاهد على هذه الجريمة و على هذا الظلم بطريقة أو بأخرى قد قرر ابتلاع مروءته و خذلان هذه الطفلة.

لقد حكمت المحكمة بالإعدام على قاتل وديمة، و تم نقل ميره للمستشفى لتلقي العلاج، نسأل الله لها

العافية، و نبارك لمجتمعنا و إنسانيتنا اعتماد قانون وديمة الذي أكد على حق كل طفل في التعليم وحظر أشكال العنف كافة في المؤسسات التعليمية و حمايتهم من الاستغلال أو سوء المعاملة وحظر تعريضهم للإهمال أو التشرد أو التسول أو تعريض سلامتهم البدنية أو توازنهم النفسي والعاطفي والأخلاقي للخطر، كما ألزم المحاكم المختصة كافة وقبل أن تحكم بالحضانة لأي شخص تقديم تقرير مفصل عن الحالة الاجتماعية والحالة الجنائية لطالب الحضانة وإقرار يفيد بعدم ارتكابه جريمة خارج الدولة مع مراعاة أحكام قانون الأحوال الشخصية في الأحوال كافة.

“وديمة” لم تمت.. ستكبر في ذاكرة ميرة، شقيقة عذابها و الشاهد العيان على مأساتها. إن كل الرعاية التي ستحظى بها ميرة لن تقدر على مسح مشهد مروع واحد من ذاكرتها. لا يجب أن يغلق ملف الأطفال المعنفين بطي ملف وديمة، فهناك ألف وديمة في انتظار النجدة، صحيح أن هذه الجريمة وحدها قد هزت مجتمع الإمارات بأسره .. لكن المهم هو ما نفعله بعد تخطي الهزة.

اترك تعليقا