يميناً .. أعلى السبورة

Standard

 المقال الأول في مجلة الإعلام و العصر – عدد فبراير 2013

مضى الزمان الذي كان يستهل فيه المرء صباحه بتصفح الصحف ،و جاء زمان أصبحنا نستقي فيه أخبارنا من شريط التغريدات على متصفح تويتر. مررت اليوم على تغريدة تقول: ” أهلا بشهر ربيع الأول”، وهنا استدركت أنني مثل العديد من أبناء جيلي قد فقدت التواصل مع هذا الصديق القديم، الذي كنا نفتتح يومنا الدراسي بتدوينه يميناً في الجهة العليا من السبورة، وكنا نحفظ شهوره و أيامه و نترقب أعياده و مناسباته، إلى درجة أن بعضنا كان يعرف تاريخ ميلاده الهجري كما الميلادي بالضبط. كنا نسعد بحسابه مع جداتنا و كبار السن في دورنا، فالتاريخ الميلادي لم يكن يحظى بأي أهمية ثقافية لديهم. بعكس التاريخ الهجري الذي يحدد لهم أيام الصيام من كل شهر أو الأيام البيض، بالإضافة للمولد النبوي و عيد الفطر ،و حساب موسم الحج ،وعيد الأضحى ..إلى آخر المناسبات الدينية الأخرى.

وجدت نفسي أتساءل عن جيل اليوم وإن كان هذا الفتور في العلاقة بالتقويم الهجري قد اعترى جيلنا فكيف هو الوضع مع أبناءنا!.اندفعت لسؤال أبنائي عن التاريخ الهجري فلم يعرفوا، مما دعاني إلى الإستفسار عما إذا كان التاريخ الهجري لا يزال يدون على يمين اللوح المدرسي كما كان الحال معنا  فكانت الإجابة أن التاريخ الميلادي فقط هو الذي يدون على يسارها. طلبت منهم الاستفسار من أصدقائهم في المدارس الأخرى فحظيت بالإجابة نفسها. ها هما إذن أحد  عشر شهراً يمرون علينا دون أن يتعرف عليهم أغلبنا، و بعد أن كانت هذه الشهور تمهد لقدوم شهر الصيام أصبح رمضان يحل على أكثرنا على غفلة و نتفاجأ به كضيف لم يعلن عن قدومه. إن هذه ليست دعوة لنبذ التقويم الميلادي إنما هي مناشدة حنونة للتشبث بالجذور و الهوية. فظاهرة الإنقراض لم تطل التقويم الهجري  فحسب، بل إنه على وهن حضوره أكثر حظاً من تقويم آخر أكثر التصاقاً بهويتنا الإماراتية و الخليجية و هو ما يسمى بتقويم الدرور. و هو تقويم اعتمد عليه سكان هذه البلدان في حساب الأيام و الشهور و ما يرافقها من تغيرات طقسية و مناخية و بيئية، و يتم عن طريق تقسيم السنة إلي ٣٦ در، كل در مكون من عشرة أيام وقد درج كبار السن على تبادل مصطلحات مثل دخول العشر و العشرين و الستين و الثمانين، و كانوا يحددون من خلالها تغير الفصول و ميقات دخولها هذا بالإضافة إلى رصد المواسم الجيدة للزراعة و تلقيح النخل و مواسم الحصاد أو مواعيد ارتياد البحر بالنسبة إلى أهل الساحل، و فيه يعرفون مواسم تكاثر بعض الطيور و الحيوانات المحلية و ينسبون إلى كل موسم نوعاً من الرياح يتوقعون حدوثها و يترقبونها في هذه المواسم بالذات. وبرغم جهلي و أغلب أبناء جيلي بطريقة حسابها لكننا اعتدنا سماعها، إنما المخيف  اليوم أن أبناء هذا الجيل لم يسمعوا  بها إطلاقاً على الأرجح، كما لم يسمعوا بكثير من المفردات اللغوية التي لم نعد نتداولها.وباتت تشكل طلاسماً لغوية في نظرهم.

إن التقدم لا يتناقض بأي شكل من الأشكال مع الحفاظ على الموروث الثقافي و العمل على ضمان امتداد حضوره في ذاكرة أبنائنا خاصة و تقويم الدرور هو نتاج معرفة و علم لا يستهان به، درسه و دونه و جمعه لنا أجدادنا بناء ًعلى خبرتهم في معايشة هذه البيئة و اهتمامهم بها و التفاعل مع عناصرها الطبيعية. وهنا يحضرني التقويم الصيني كمثال لتقويم سبقنا بآلاف السنين لكن حضوره لازال راسخاً في ثقافة الشعب الصيني رغم اعتمادهم التاريخ الميلادي الذي لم يضعف من حفاظهم على تقويمهم الذي يستخدمونه لمتابعة أعيادهم ،وقد يصل هذا الإستخدام في بعض البيوت المحافظة لأبعد من ذلك إذ تحدد المناسبات العائلية كالزواج و الإنجاب اعتماداً عليه. ورغم صعوبة حساب التقويم الصيني و صعوبة ربطه بالتاريخ الميلادي  بسبب اعتماده  على التقويمين القمري و الشمسي في آن واحد ، مما يجعلهم يضيفون شهراً ثالث عشر في بعض السنين، إلا أن من يسافر إلى الصين يلحظ اهتمام و اعتماد الشعب الصيني على تقويمهم بحيث يتعين على من يعيش على أرضهم، و ذلك  كما سمعت من صديقتي الأمريكية التي هاجرت إلى الصين، إلى تعلم هذا التقويم و متابعته.

لا أظن أن عودة التقويم الهجري إلى مكانته يكمن بيد الأسرة فقط، بل  يحدوني الأمل أن تلتفت المؤسسات التربوية إليه و أن تعيد إلي الجهة اليمنى من اللوح المدرسي ذلك التاريخ المضئ في ذاكرتنا.

اترك تعليقا