لطفاً.. نحن في دورة المياه!

Standard

 قصة قصيرة لعائشة الكعبي

في ذلك المركز التجاري المقفر الذي حدستني فيه نظرات الباعة بغرابة شديدة، كان خيار البحث عن دورة المياه المخصصة للسيدات ليس قراراً  فسيولوجياً فحسب، بل قراراً نفسياً حاولت تجاهل دوافعه لدحض الوحشة التي تملكتني من وجودي في هذا المكان. وللمرة الأولى ينتابني شعور إيجابي حال رؤيتي لصورة وجه أسدل عليه الخمار، ذلك الشعار الذي استخدم للإشارة إلى الجنس اللطيف. كنت أهرول نحو الباب المنشود الذي تعالى مع اقترابي منه هدير من الأصوات لم أكد أتبين مصدره في عجلتي تلك.

ما أن دفعت الباب بيدي حتى ارتطم بإحداهن، وصمت الهدير للحظة، وقفت فيها مشدوهة و أنا أرقب الجموع النسائية التي اكتظ بها المكان .. التفتت كل الوجوه نحوي و لما تزل كلماتها عالقة على أفواهها. الكل يرمقني لوهلة بدوت فيها كمن ضغط زر التوقف اللحظي على شريط محادثاتهم، ثم ما لبثت الوجوه ان استدارت لتواصل انشغالها، وعاد هدير الثرثرة إلى سابق عهده قبل اقتحامي المكان. ولجت بمشقة نظراً لضيق المساحة التي استطعت تأمينها لإزاحة الباب نحو الداخل. شققت طريقي بين أكتاف متراصة لثلل من النساء و صوت فضولي بداخلي يصر على اكتشاف سر هذا التجمع المهول في موقع غريب كهذا .ذلك الفضول الذي يبدو أن النساء المجتمعات كن يفتقرن إليه، فعدا تلك النظرة التي رمقنني بها حين اقتحمت المكان لم تلتفت أياً منهن بعدها صوبي، وخيل إلي أنني صرت غير مرئية بالنسبة إليهن، فهن لا يتكبدن حتى عناء فسح الطريق لي. مما جعلني أضطر للإصطدام ببعضهن في سبيل التقدم نحو المراحيض.

 متقدمة نحو صدر المكان لاحظت أن هناك أكثر من حلقة حديث قد تضم إحداها من ثلاث إلى ست سيدات، بدا واضحاً لي تفاعلهن مع المواضيع المطروحة حد أن ارتفع صوت إحداهن و أخذت تطوح بقبضتها مهددة موعدة. هناك أيضاً مجموعة انشغلت بتبادل مساحيق الزينة وتجربتها.  وسيدتان عكفتا على تصفيف شعرفتاة كانت تجلس على كرسي مرتفع يشبه كراسي حوانيت المشروبات.

 كان المكان يعج بخليط مستهجن من الروائح، رائحة حادة كرائحة بول الجرذان اختلطت بروائح عطرية رخيصة. ولدهشتي فقد التقط أنفي رائحة قهوة انسلت عبر الجموع من طاولة في ركن بعيد، ثبت عليها موقد كهربائي صغير وشرعت إحداهن بإعدادها، بينما كانت أخرى توزع الفناجين في صينية تمهيداً لتوزيعها على الحضور فيما يبدو.

 حين وصلت إلى المراحيض راعني أنها صفت كما تصف المغاسل في الحمامات العمومية، لم تكن هناك حمامات فردية. لا أبواب ولا حتى حواجز لضمان أقل قدر من الخصوصية. لمحت سيدتان تقضيان حاجتيهما وهما تتجاذبان أطراف الحديث، فأشحت بوجهي خشية إحراجهما رغم أنهما لم تبديا أي امتعاض لوجودي.

 فكرت في الخروج من هذا المكان المقرف لكني تذكرت ما ينتظرني بالخارج و بمقارنة صريحة وجدت أن قرف هذا المكان أخف وطأة على نفسي من الرعب الذي بثته نظرات الباعة في نفسي. هذا عدا عدم مقدرتي على حبس حاجتي لمدة أطول من ذلك.

اخترت المرحاض الأخير المنزوي بجانب الجدار و ذلك لأن سيدة كانت تقرأ الجريدة بمحاذاته، مما هيأ لي درجة من الستر عمن حولي.  هممت بقضاء حاجتي سادلة تنورتي الطويلة حجاباً عن كل عين قد يراودها الفضول بالتلصص علي. في تلك اللحظة سمعت صرير باب المدخل يفتح، وأطبق الصمت على المكان للحظات كما حدث معي بالضبط حين دخلته قبل برهة. لكن الأمور سرعان ما عادت لطبيعتها مما جعلني أجزم أن زائرة أخرى قد انضمت إلينا. ما هي إلا هنيهات حتى ظهرت الزائرة من بين الجموع متجهة نحو المغاسل، وقد انتفضت منتصبة في مكاني فور رؤيتي للرجل الذي كانت تجره خلفها ممسكة بيده وهي تتلمس طريقها بين الجموع نحو المغسلة المواجهة للمرحاض الذي كنت أنوي الجلوس عليه.

شرعت أتلفت حولي علّي أرى من السيدات اللائي كن أبعد ما يكون عن الستر بادرة استهجان أو استنكار لوجود هذا الغريب بيننا. فيما سرت بين النساء موجة من الحماس الحذر جعلتني أوقن بأنهن قطعاً متأثرات بوجوده، ولكن بشكل مختلف عما توقعت. لم ألحظ نظرات السخط أو الخوف في أعينهن، بل أمراً آخر لم أستطع قراءته.

أخذت رفيقته مكانها أمام مرآة المغسلة المواجهة لي وفتحت حقيبتها و بدأت في إخراج مشطها و بعض أدوات الزينة وصفها على طرف المغسلة. غير أن هذا لم يكن ليتسبب في قطع حوارهما الذي كان واضحاً أنهما قد ابتدآه قبل وصولهما إلى هنا، تكلما بصوت خفيض ثم التصق الرجل بها و استمر في الحديث بشكل أوحى لي أنه كان يحاول الدفاع عن شخص ما. أصغت إليه وهي منشغلة بغرس المشط في شعرها الأشعث  وتصفيفه إلى الوراء ثم جمعه بمقبض شعرذهبي اللون، لم تكن جميلة و لا قبيحة، لكن شيئاً ما بدا مختلفاً فيها عمن سواها من قاطنات دورة المياه، قد تكون نظرتها التي تشي بالذكاء أو ثقتها المفرطة بالنفس، لا أعلم!

أما هو فقد جمع النقيضين، بنية بدنية ضخمة، ووجه ضارب في البراءة، لم يكن يتمتع بوسامة ظاهرة لكن وجهه ينضح بالحنان، إنه من الوجوه التي تبادرك باللطف والإحتواء.وقد حدست من تلك النظارة التي يرتديها و ذلك الكتاب الذي يحمله و تلك النبرة الهادئة الرصينة التي يتكلم بها أنه أقرب لرجل مفكر منه إلى رجل عامل.

في لجة انشغالي بالزائرين الجديدين  لم ألحظ خفوت هدير الثرثرة في المكان، إلا عندما هتفت السيدة التي كانت تقضي حاجتها بقربي :

“كلينكس”! كلينكس من فضلكم “

لم يحركن النساء ساكناً وتصرفن كأنهن لم يسمعنها من الأساس، وحين أرسلت يدي في حقيبتي للبحث عن مبتغاها، فاجأني الرجل ومد يده بمنديل ورقي دسه في يدي وأومأ لي مبتسماً بتسليمه لها. ما أن سلمتها المنديل حتى ندت عنها تنهيدة  طويلة مفتعلة، فانفجرن بعض النسوة ضاحكات، إلا أن رفيقته رمقتهن من خلال المرآة بنظرة حانقة جعلتهن يبتلعن قهقهاتهن.

وهنا مالت قارئة الجريدة برأسها نحوي و همست في أذني : ” إنه ألطف رجل في العالم، كلنا ننتظر دورنا معه”

لم أسألها عما تقصد، لكني أدركت حينها كنه النظرة التي اعتلت الوجوه بعد حضوره.. و لم أتمكن من تفسيرها في البداية.. هي الغيرة لا غيرها!

لم تكف أي منهن عن إتمام ما كانت تفعله قبل حضور الرجل ورفيقته. الفرق الآن أنهن يفعلن ما يفعلن و أعينهن مسمرة على الرجل. تكاد تخلعه من مكانه و تزيحه عن رفيقته.من الركن البعيد لدورة المياه، تقدمت سيدة تحمل صينية صفت عليها فناجين القهوة التركية، واجهته و هي تكاد تضغط بحافة صينيتها على صدره، حدقت فيه ثم شهقت بدلال مبالغ فيه :

” تفضل”

تناول الفنجان ومنحها بالمقابل ابتسامة عريضة، جعلتها تتعثر بقدم رفيقته فتلقي بحمولتها من القهوة على ظهرها.

صرخت رفيقته و أخذت تدور حول نفسها كثور في ساقية منكفأة بجذعها نحو الخارج كي لا يلامس قميصها الملوث بالقهوة الساخنة ظهرها فيصليه، بينما ملأ رفيقها كفيه بالماء و أخذ يرشها محاولاً مساعدتها. كل هذا وسط صخب من ضحكات النساء التي تعالت فرحاً بما آل إليه حال رفيقة الرجل.

“هذا لا شيء” قالت إحداهن

” سنضحك كثيراً ” قالت أخرى

تعالت صرخات رفيقة الرجل وهي تكيل الشتائم للجميع بل تكاد تميز من الغيظ إلى درجة أنها دفعت يد رفيقها حين حاول لمسها ونهرته بغضب، الأمر الذي جعل احداهن تثب عليه ملتقطة يده راجية ألا يكون قد تأذى ثم تشرع في تدليك كفه.

فما كان من رفيقته حين لاحظت استجابته للمسات المرأة الأخرى إلا أن خلعت نعلها و أوسعتهما ضرباً. كان هذا آخر ما شهدته قبل أن تتحلق سائر قاطنات دورة المياه على الرجل ورفيقتيه مشاركات في المعركة إما بالضرب أو التخليص.

تملصت من بين تلك الحلقة المشتعلة بأعجوبة، كانت الأحذية تتطاير في الهواء من حولي و قد تعثرت أكثر من مرة في طريقي إلى الباب وكدت أن أقع لولا أن تشبثت بذراع امتدت نحوي..

رفعت بصري لأجد الرجل اللطيف يفتح لي الباب و يبتسم قائلاً:

“حان دورك.. و شكراً للإنتظار”

One thought on “لطفاً.. نحن في دورة المياه!

اترك تعليقا