كيس البقّــال

صورة لكتاب غرفة القياس
Standard

من مجموعة “غرفة القياس”

قابع خلف طاولتي،  أغالب بقايا نعاس تدثر بأجفاني. أقلب بصري بين ركام ملفات تلفع بعضها بالغبار و ودلق آخرما ببطنه من أوراق. ألتقط آنفها ، أقلبه بيدي لأخمن حجم العمل المطلوب مني إنجازه هذا اليوم.. و أشرع بغربلة المواضيع المهمة عن سواها حتى إذا ما انتهيت وضعت حصاد أوراقي  جانبآ لأستهل يومي بها. أطلق زفرتي الصباحية المعتادة لشحذ الهمة على مقارعة هذه الأوراق وأرفع رأسي قبالة الباب الذي يواجهني،  و كدقات الساعة التي تعلن الثامنة تماما.. يتناهى إلى مسمعي  وقع خطواته المتثاقلة . يطل بشير في موعد لا يخلفه، بسحنة غير مستبشرة على الإطلاق.. يعبر بابي مطأطئ الرأس وهو يجرجر قدميه، و لولا معرفتي بأن الطريق  بعد باب غرفة مكتبي مسدودة،  لخلت أنه سيظل يسير في هذا الاتجاه إلى ما شاء الله.

 يتوقف فجأة ليستدير نصف استدارة لليسار.. يوليني ظهره و هو يسير الهوينى، لا يرفع رأسه أبدآ،  فيخيل لي أنه يتكئ على ذاكرة نعليه الباليين. و فيما هو يتحرك أمامي، مبتعدآ عن باب غرفتي، متجهآ صوب مدخل القسم المقابل.. ألمح كيسه البلاستيكي الأزرق الشفاف، و أزر عيني لأدرس محتواه: علبة محارم ورقية، معطرا للجو، و …جريده!

أبتسم و أنا ألمحه يدلف من الباب الزجاجي ثم يتوارى في الممرات، و أكاد أراه في مخيلتي ينعطف يمنة إلى آخر غرفة بجوار مخرج السلالم.. يسلم علبة المحارم الورقية إلى محمد الشافي  الذي لابد يعاني من نوبة عطاس حادة لا تسعفه أن يصدح بمقولته المشهوره..

 ” سجلها على الحساب “

لا أذكر صباحآ حييت فيه محمد دون أن ينظر إلي بعينين مغرورقتين من خلف منديل ورقي يعصر أنفه فيه ، وقد اعتلت  وجهه المكتنز ذو الذقن الحليق حمرة محببة، ثم يرد علي بعطسة يتبعها ” الحمدلله ” لا أجزم إن كانت ردآ على سؤالي عن حاله أم حمدآ يتبع العطسة!! حينها ألوم نفسي لكثرة تذمري من القولون العصبي التي  تبدو معاناتي معه تافهة مقارنة مع الحساسية الدائمة التي يرزح محمد تحت وطأتها.. لكأن ساعات الصباح هي وقت مهدور من عمر محمد و العمل معا، فلا يكاد يتعافى من نوبات العطاس حتى يكون يوم العمل قد شارف على الإنتهاء،  ولو ادخر محمد ثمن علب المحارم التي يشتري مذ عمل بالمؤسسة  لربما تمكن من تدشين مشروع تجاري صغير  يتيح له الراحة صباحا” و العمل وقت المساء.

لابد أن بشير سيكمل بعدها متوجهآ نحو الغرفة المقابلة لمكتب محمد . يطرق الباب طرقات خافته ثم يدفع الباب داخلآ و السيدة زينب لاتزال تعدل وضع نقابها. ترشقه بنظرات غضبى وهي تدس يدها على عجل في حقيبتها لتخرج ورقة بخمسة دراهم،  تهوي بها على الطاولة بحنق و هي تعنفه:

” ما فائدة الطرق إذا لم تنتظر حتى يؤذن لك بالدخول؟! .. كل يوم نعيد هذه الإسطوانه ..!!”

يلتقط  بشير الورقة النقدية بخفة دون أن يرفع بصره ثم يستدير مغادرآ الغرفة و كأن الأمر لا يعنيه.

  قبل عامين، كانت السيدة زينب أكثر الموظفات بشاشة و ألينهن جانبآ. لكنها تعرضت لحادث مروع  نجت منه بأعجوبه،  بينما قضت على إثره شقيقتها الصغرى التي أبت إلا أن ترافقها في ذلك اليوم. مذ ذاك صارت السيدة زينب دائمة التوتر و فظة الطباع ، و مذ ذاك وهي تستهلك الكثير من معطرات الجو،  و تظل تتذمر لكل من يلج مكتبها من سوء نظام التكييف و كيف حول بعض الموظفين القسم إلى مزبلة دخان و سجائر. وأظنها محقة بهذا الشأن،  فأنا نفسي أتجنب المرور بذلك القسم كي لا تلتصق بي رائحة الدخان الفواحه التي لا تختفي إلا في الأيام التي تتغيب فيها السيدة زينب عن العمل.!

و لتسليم الجريدة، سوف يمضي بشير إلى الغرفة قبل الأخيرة من الدهليز الضيق ، يطرق طرقة مقتضبه على الباب المشرع، ثم يضع كيسه الأزرق والجريدة المطوية بداخله على طاولة ” آمنه “. و بحركة رشيقة سوف يسحب الدرهمين التي وضعتهما له سلفآ على طرف الطاولة. ما أن يغادر بشير الغرفة حتى تكف أصابع آمنه المتوترة عن تصفح الأوراق المصفوفة أمامها و تلتقط الجريدة بلهفه.

 التحقت آمنه بالدائرة منذ عامين ، بمساع من خالتها التي تتقاسم معها الغرفة ذاتها . غير أني أجد نفسي عاجزآ  عن وصفها حتى الآن. فإن صادف أن مررت للسلام على خالتها فإن آمنه تصاب بحالة من الإرتباك فتطرق برأسها و تطلق أصابعها بهلع  لتصطاد أي شيء على المكتب يمكن العبث به، وإن سألت عن حالها ردت علي  بهمهمة لا يمكن تبين كلمة منها.

أذكر أنني قصدت غرفتهم مرة لطلب الجريدة، فسلمتنيها الخالة موضحة :

” لا داعي لإعادتها فآمنه لا تهتم إلا لمواعيد عرض البرامج على القنوات الفضائية “.

يدفع بشير مصراع البوابة الزجاجية  مغادرآ، فأستوقفه حين يمرق أمام بابي. يتراجع خطوتين إلى الوراء، ثم يمط صوبي ذقنه المسبل في استفسارصامت  ..

” واحد فلافل يا بشير “

يمضي بشير و أعود أدس رأسي بين أوراقي و أنا أعلم أنني لن أشرع في عمل شيء قبل أن أحشر شيئآ في معدتي. ويعاودني الخاطر الذي ينبت في ذهني كل صباح:

 ” لو أن الزمن يرجع إلى الوراء..لما حولت حبيبتي إلى زوجه ” .

 احتجت إلى أكثر من عشرين عامآ لأقف على الفارق الذي يفصل الحب عن الزواج..ولا أملك و أنا أنظر إليها متكومة في فراشها الوثير، تمد يدها الكسلى نحوي مودعة و أنا متجه إلى عملي، إلا أن أبصق على السنين التي قضيتها أحلم بسقف واحد يجمعنا مذ أن كانت رفيقة طفولتي. و يلوح في مخيلتي زوج ابنة خالتي بسحنته الممتلئه و هو يقلب رأسه الثخين المدفون بين كتفيه ذات اليمين وذات الشمال  معتذرآ لزوجته عن إكمال كأس شايه الثالث وهي تشيعه إلى الباب صباح كل يوم..

لو عاد الزمن إلى الوراء لن أعشق سوى زوجتي ، لكنني بالتأكيد سأختار زوجة تشبه أمي.

تدوي لطمة يد نحيفه على بابي الخشبي، تفيقني من ذهولي فأرفع ناظري إلى كيس أزرق شفاف، تتأرجح في قعره شطيرة فلافل امتدت بها نحوي .. يد بشير.

One thought on “كيس البقّــال

  1. هياتم زايد (@hayatimzayed)

    نقف على شرفات الحياة من زوايا مختلفة ،قد تكون عمودية أو منفرجة..! نعاني الأمرّين لأن الطموح والتوقعات والرغبات الإنسانية لاتتوافق دائما مع حجم وعقل الواقع المادي الذي يبتر الكثير من الإحساس فينا. نشعر بالألم أحيانا لأن مانرغب به بشدة أبعد مايكون من ملامسة كفِّ قلبه دون أن نثمل من شدة جفاء القدر.
    قصة جميلة.. وشكرا لك..وموفقة دائما.

اترك تعليقا