عائشة الكعبي تقطف مشاهدها من «اليومي» وتزجّ القارئ في معترك الأسئلة

أمسية الشارقة
Standard

مقالة نشرت بجريدة الإتحاد حول أمسية عائشة الكعبي القصصية في اتحاد الكتاب

أثارت الأمسية القصصية التي نظمها اتحاد كتاب وأدباء الإمارات في أبوظبي، مساء أمس الأول للقاصة عائشة الكعبي، جدلاً واسعاً حول قضايا ثقافية وإبداعية متنوعة، وطرحت أسئلة مهمة حول طبيعة الإبداع وأهدافه وعلاقة المبدع بالجمهور؛ ونجحت القاصة الكعبي في أن تضع جمهورها على مسافة قريبة من غايتها الكبرى الكامنة وراء إبداعها وهي: إثارة السؤال.

وفي تقديمه للقاصة عائشة الكعبي قال الشاعر زياد أحمد محافظة “نصوصها قصيرة جداً، أقرب إلى الرصاصة حين لا تحتاج وقتاً طويلاً لتصيب الهدف. نصوصها قصيرة جداً، ولم الإطالة إن كنت تستطيع بقليل من الكلمات أن تقبض على القارئ وتدخله في أجواء النص. ذات مرة كنت أقرأ للكاتب التركي عزيز نيسين، فاستوقفتني عبارة مدهشة قال فيها: الذي يعطي الكثير فمن ماله، والذي يعطي القليل فمن روحه، وقليل كلمات عائشة الكعبي آت من روحها على ما أظن. لقد كتبت القصة القصيرة جداً بامتياز، ذلك أن من يتصدى لكتابة القصص القصيرة جداً يدرك جيداً أنه دخل بملء إرادته عالماً غامضاً ومربكاً، فالقصة القصيرة هي قصة متطلبة، مزاجية، لا ترحم، قد تلتف ببساطة على القاص وتطيح به أرضاً، لذا من يتصدى لها، عليه أن يملك خزيناً معرفياً عميقاً، وتجربة حياة غنية، لا تتوقف عن مده بتفاصيل لا تنتهي، فالكلمة في هذا النوع من الكتابة لها وزن حقيقي، ومكانها في النص لا يأتي جزافاً، بل يسبقه حفر متواصل لتستقر الكلمة في موقعها دون زيادة أو نقصان”.

ثم تحدثت عائشة الكعبي عن بعض ملامح تجربتها الإبداعية وقرأت عدداً من قصصها القصيرة جداً. ولأن القصص تحتاج الى قراءة معمقة، ربما أنجزها في وقت لاحق، سأذهب إلى شهادة القاصة التي تحدثت عن أن “الإنسان أديباً كان أو غير ذلك يمر بأطوار فكرية مختلفة في حياته، وما كان يدافع عنه بقوة في الأمس قد يهاجمه في المستقبل”.

هذه روح جميلة لا تظهر كثيراً وربما تحجبها الأنا المتضخمة لدى المثقفين (غالبيتهم) والنرجسية التي تبدو أحياناً مرضاً عضالاً يصعب الشفاء منه.. هذه الروح هي التي أوصلت الكاتبة إلى القول بجرأة “وهذا، تقصد التطور الفكري الذي يغير قناعات الكاتب من فترة الى أخرى، ليس عيباً بل انتصارا للحقيقة؛ إذ أن المفترض بالمفكر ألا يتعصب لمعتقد ما بل أن يترك فكره مواربا لكي يتسنى له الاطلاع على أفكار الآخرين، ومن ثم قياس معتقداته بغيرها عله يجد الوجه الأقرب إلى الحقيقة التي تناسبه، فالحقيقة وهم نسبي نقف كلنا على مسافات متفاوتة منها وليس عليها بالتحديد”.

وضربت الكعبي مثالاً على هذا بما حدث معها عندما أجلت إصدار كتابها الأول، ثم ما مارسته من الانتقائية في اختيار ما يعبر عنها وقتذاك، وهذه سمة من سمات المبدع الحقيقي، بل هي ميزان سلامته الروحية والإبداعية، وقالت “بدأت الكتابة في وقت مبكر جدا وكنت أكتب بشكل يتوازى مع تعاظم اطلاعي وتشكل فكري. وهكذا وجدت أن لديَّ كما ضخما من القصص اخترت منها ما يتناسب مع فكري عام 2007 وهو العام الذي أصدرت فيه مجموعتي الأولى رغم أنه كان لدي من القصص ما يكفي لإصدار ثلاث مجموعات قصصية”.

وفي مسوغات لجوئها إلى كتابة القصة القصيرة جداً قالت “أنا لم اختر التحول من قالب القصة القصيرة إلى الأقصوصة لكنني وجدت نفسي أسير باتجاهه ربما لأن طابع الحياة السريع والمسؤوليات الجسام الملقاة على عاتق المرأة بالذات لم تسمح لي برفاهية الإطالة في الكتابة؛ فعمدت إلى التقاط مشاهد صادمة من المجتمع وصياغتها في قالب مختزل يدعو القارئ إلى الشك في أمور كثيرة من حوله تعلم أن يتعامل معها كمسلمات”.

وأضافت “في مرحلة الكتابة لا يشغل القارئ تفكيري ولا أفصل قصصي حسب رغبات الجمهور. للقارئ كلمة تهمني بعد تلقيه النص و ليس أثناء ولادة النص”.

وفي شهادتها الإبداعية، وقراءاتها القصصية على السواء، بدت القاصة مستبصرة بما تفعل وبأبعاد تجربتها الإبداعية ومرامي الأدب الذي تكتبه، وعكست نصوصها القصصية وعياً فارقاً في التقاط ثيمات الحياة اليومية لإخراجها من تكراريتها ومألوفيتها وإطلاقها كأسئلة جارحة ثم تركها برسم القارئ الذي يشعر في معظم ما قرأته بأنه معنيٌّ بما يقرأ، بل ومأخوذ به في أحيان أخرى.

ثمة في قصص هذه الكاتبة ما يجعلك تتحسس قناعاتك القديمة، تعيد النظر في ما حولك وهو يرسم في وجهك تلك العلامة الكبيرة التي تسمى علامة سؤال، أو يدهشك فتبدأ من حيث انتهت القاصة في كتابة القصة مرة أخرى عبر تخييلها في مشهد قد يقارب وقد يفارق وقد ينسلّ خفية من مشهدها الذي اجترحته لك.

رغم ذلك، لا تكفي الدهشة وحدها لسبر أغوار قصص هذه الكتابة، صحيح أنها تسحبك إلى عوالمها، وتفاجئك أحياناً، لكن هناك اللغة التي تخبئ في داخلها انزياحات فكرية وسياسية واجتماعية مبطنة في تلافيف النص (قصص: في آي بي، مشيخة، سيرة عطرة، إعلان، لا عزاء لقطط البيوت)، لكن ثمة قصص أخرى تبقيك على حواف الكلام وربما تقدم لك مشهداً مهمته فقط أن يصدمك ويدعوك إلى التفكير.

اترك تعليقا