الإطاحة بالرؤوس*

Standard

قصة قصيرة لإيتالو كالفينو ، ترجمة عائشة الكعبي


لابد أنني وصلت إلى العاصمة قبيل الإحتفال بمهرجانٍ ما. كانوا يبنون المنصات في الميادين و يعلقون الأعلام و الأشرطة و سعف النخيل، كان هناك ضجيج طرق ٍ في كل مكان.

سألت الرجل الذي يقف خلف منضدة  الحانة  ” أهوالمهرجان الوطني ؟ “

أشار إلى صف من الصور الشخصية المعلقة خلفه،

” رؤوس حكومتنا ” أجابني. ” إنه مهرجان رؤوس الحكومة، الزعماء “

بدا لي أنه حفل تنصيب حكومة منتخبة جديدة. فسألت : ” جديدة ؟ “

نظراً لضجيج المطارق، و اختبارات فحص مكبرات الصوت، و صرير رافعات المنصات، كنت مرغماً على الإختصار، و على الصراخ أيضاً،  لكي يُفهمَ قولي .

هز الساقي رأسه بالنفي،” كلا ، ليسوا جدد، لقد مر على بقائهم في الحكم فترةً من الزمن “

فسألت :” أهي إذن الذكرى السنوية لتوليهم السلطة؟”

” شيءٌ من هذا القبيل “، شرح لي زبون بجانبي، ” يقام المهرجان بصورةٍ دورية ، و ها قد حان دورهم “

 ” دورهم من أجل ماذا؟ “

” لصعود المنصة “

” أية منصة؟ لقد شاهدت العديد منها، واحدة في كل زاوية شارع “

” لكل واحد منصته الخاصة ، لدينا العديد من الزعماء”

” و ماذا يفعلون؟ يخطبون في الناس؟ “

” لا، يخطبون !!..لا، لا”

” يصعدون المنصة،  ثم ماذا؟”

” و ماذا تظنهم فاعلون، ينتظرون قليلا ريثما تُرتب الأمور، ثم تُختتم الطقوس في دقائق”

” و أنتم؟ “

” نحن نتفرج “

 كثر الهرج و المرج في الحانة، النجارون الذين كانوا و صبيتهم  يفرغون الشاحنات من لوازم  تزيين المنصات (فؤوس، كتل و سلال…) توقفوا لتناول الجعة.

كلما توجهت بالسؤال لأحدهم، كانت الإجابة تأتيني من شخص آخر.

“هو نوع من إعادة الإنتخاب إذن؟ تأكيداً على وظائفهم،أو كما يقال، شرعيتهم؟”

” لا، لا” صحَّحوا لي ” ألا تفهم؟ إنها النهاية. لقد انتهى وقتهم”

” و إذن ؟”

” إذن لا يعودون رؤوساً، بل  يسقطون”

” لم يعتلون المنصات إذن؟”

” مع المنصات تستطيع أن ترى كيف تسقط الرؤوس بصورةٍ أفضل، كيف تتدحرج، مقصولةً ببراعة،  و كيف تنتهي في السلال. “

هنا بدأت أفهم، لكنني لم أكن متأكداً تماما. ”  تعني رؤوس الرؤوس؟ الزعماء؟ في السلال؟ “

أومؤوا برؤوسهم ” صحيح، قصل الرؤوس، بالضبط ، قصل رؤوس الرؤوس “

كنت قد وصلت للتو، و لم أكن على علمٍ بالأمر، كما أنني لم أقرأ الصحف بعد.

” هكذا ببساطة، غداً، و بدون مقدمات؟ “

” حينما يأتي يومهم فقد أتى” أجابوني.  ” هذه المرة صادف منتصف الأسبوع، إنها عطلة ، كل المحال مغلقة “

أضاف شيخ يتحدث كأسقف: ” حين تنضج الثمرة لابد من حصادها، و الرؤوس لابد من قطافها، فهل عساك تترك ثمرة ناضجة لتتعفن على غصونها؟!”

شرع النجارون بإتمام أعمالهم، على بعض المنصات كانوا يرفعون السقالات لضمان حدة المقاصل، وعلى أُخَر كانوا يثبتون كتل الإسمنت، و يوزعون بعض المساند المريحة على الجوانب..( أحد المساعدين كان يختبر صحة الإرتفاع  بوضع رأسه على كتلة الإسمنت)

في أماكن أخرى كان الناس يجهزون معداتٍ شبيهةٍ بألواح الجزّارين ذات القنوات الجانبية لتمرير الدم.  بسطت الخرق المشمعة على أرضيات المنصات، و جُهزت قطع الإسفنج لتنظيف زخات الدم. كان الكل يعمل بحماس، و باستطاعتك سماع الضحكات و الصفير.

” هل أنتم سعداء إذن؟ هل كنتم تبغضونهم؟ أكانوا زعماء سيئين؟”

” كلا، مالذي أوحى إليك بهذه الفكرة؟ ” أجابوني و هم يتبادلون نظرات التعجب ” كانوا جيدين ، أو بالأحرى ليسوا أفضل أو أسوء من سواهم. حسنٌ، أنت تعلم كيف هم  الزعماء و القادة.. أو من يشغلون مناصب كهذه… “

” بغض النظر” قال أحدهم ” لقد أحببت هذه الزمرة”

” أنا أيضاً ” .. ” و أنا كذلك ” أجمع العديد منهم ” فعلاً، لم يكن لدي أي شيءٍ ضدهم “

” إذن.. ألستم محزونون لقتلهم ؟” سألتهم

” و ماذا بالإمكان فعله؟ إذا وافق شخص ما على تبوء منصب الزعيم فهو لابد يعرف كيف سينتهي به المطاف. من المستبعد أن يظن أنه سيلقى حتفه منبطحاً على سريره..!! “

ضحك الآخرون ” ذلك سيكون ممتعاً حقاً، أن يحكم المرء، و يأمر و ينهي، ثم يستقيل و يعود إلى بيته، و كأن شيئاً لم يكن”

 سخر أحدهم : ” دعني أخبرك ، كل شخص سيتمنى أن يصبح زعيماً في هذه الحالة. حتى أنا..أنظر .. كنت سأسعى لهذا الأمر.. هاأنذا “

” و أنا كذلك “.  ” و أنا أيضاً “.  هتف الكثير منهم و هم يتضاحكون..

” إنما أنا لا ”  قال شاب يضع النظارات، ” ليس بهذه الشروط،  إذ ماذا سيكون المغزى حينها ؟ “

” صحيح، ليس هناك فائدة من أن تصبح زعيماً تحت وطأة هذه الشروط”.  وافقه عدد منهم.  ” إن القيام بعمل ٍ كهذا حين تعرف ما عليك توقعه هو أمر، و العكس هو أمرٌ مختلفٌ تماماً.. لكن هل هناك من طريقةٍ أخرى للقيام به ؟”

شرح الرجل ذو النظارات، و الذي كان لابد أفضلهم  تعليماً:

” السلطة على الآخرين هي جزء لا يتجزء من حق هؤلاء الآخرين في تعليقك على المنصة و التخلص منك يوماً ما في المستقبل القريب. فأي سلطةٍ ستكون للزعيم دون هذه الهالة التي يرسمها مصيره المحتوم حوله؟! إن لم تستطع أن تقرأ إحساسه بقرب نهايته في عينيه لكل لحظةٍ من لحظات فترة حكمه؟ إن المؤسسات المدنية تعتمد على هذه الحيثية المزدوجة من السلطة، لذا لم تستخدم أي حضارةٍ  محترمة نظاما مغايراً لهذا.”

اعترضت قائلا  ” و مع ذلك بإمكاني أن أسوق لك بعض الأمثلة “

” أعني : الحضارات الحقيقية “. أصرّ الرجل ذو النظارات ، ” أنا لا أتحدث عن الأنظمة الهمجية، مهما طال بقاءها في تاريخ البشرية. “

كان الشيخ الذي تحدث مسبقاً عن الثمار المتعفنة يتمتم مع نفسه، بعدها هتف ” الرؤوس تحكم لأمدٍ طويلٍ مادامت معلقةً على الأكتاف.. “

” ماذا تقصد؟ ” تساءل الجمع:  ” هل تقصد أنه لو تعدى أحد الرؤساء، على سبيل المثال، فترة حكمه، و فرضنا أنه لم يتم قطع رأسه، لأي سبب من الأسباب، فإنه سيبقى في الحكم طيلة فترة حياته؟!”

 صدَّق الرجل على كلامهم قائلا: ” هكذا كانت تسير الأمور، قبل أن يتضح للجميع بأنه من يسعى لأن يكون رئيساً  فإنما يختار أن يُقطع رأسه في القريب العاجل. أولئك الذين امتلكوا السلطة كانوا يتشبثون بها. “

كان بوسعي المقاطعة هنا و سرد بعض الأمثلة لكن ما من أحد سيستمع إلي،

” و كيف تصرف الشعب إذن ؟ ” سألوا الشيخ

” توجب عليهم قطع رؤوس هؤلاء الرؤساء، شاءوا أم أبوا، و بالقوة الغاشمة ، خلافاً لما يتمنون، لا وفقاً لأيام ٍ محددة، بل حينما يفيض بهم  الكيل ولا يستطيعون احتمالهم أكثر مما فعلوا. هذا ما كان يحدث قبل أن تُنظَّم الأمور،  قبل أن يقبل الحكام “

” هه، نود فقط رؤيتهم لا يقبلون! ” هتف بعضهم ” دعهم يحاولون فقط و سيرون…! “

” ليس الأمر كما تظنون “. قاطعهم صاحب النظارات،

” ليس صحيحا أن الزعماء مرغمين على الخضوع للإعدام، قولوا هذا و سيفوتكم المعنى الحقيقي لهذه القاعدة، إنها العلاقة الحقيقية التي تربط زعماءنا بعامة الناس. فقط رؤوس الحكم هم من تُقطع رؤوسهم، طالما أنك لا تستطيع تمني الحكم دون أن تتمنى المقصلة!. فقط أولئك الذين يمتلكون هذه المهنية و الكفاءة  يستطيعون أن يصبحوا رؤساء! فقط أولئك الذين يعتبرون أنفسهم مذبوحين لحظة تقلدهم منصب القيادة!.”

أخذ عدد الزبائن في الحانة بالتناقص تدريجياً، كلٌّ يعود إلى عمله. لاحظت أن صاحب النظارات كان يوجه كلامه إلي حصرياً.

” هذا هو جوهر السلطة” تابع حديثه ” هذا الترقب للخاتمة ” كل السلطة التي يمتلكها الشخص لا تعدو كونها إشعاراً مبدئياً بهسهسة نصل المقصلة في الهواء. حين يهوي محدثاً البتر التام، كل التصفيق الذي تحظى به لايعدو كونه بداية الهتاف الذي سيُحيىَ به رأسك المتدحرج على البساط المشمع أسفل المقصلة.

خلع نظارته لينظفها بمنديله، فلاحظت أن عيناه مغرورقتان بالدموع. دفع ثمن الجعة، ثم انصرف.

مال الساقي نحوي و همس في أذني ” إنه أحدهم.. انظر!! ” ثم أخرج من تحت المنضدة رزمةً من الملصقات الكبيرة التي طبعت عليها صوراً شخصية.

” في الغد سيتعين علي إنزال تلك الصور و تعليق هذه الصور الجديدة”

 كانت أولى الصور لصاحبنا ذو النظارات، عبارة عن تكبير قبيح لصورة من جواز السفر.

” لقد تم انتخابه لخلافة من سيتم تنحيتهم، غدا سيتسلم زمام الأمور، إنه دوره هذه المرة. إنما إذا سألتني فأنا لا أظن أنه من الصواب إخباره قبل الإعدام بيوم، هل سمعت الطريقة التي كان يتحدث بها عن المسألة؟! غدا ً سيراقب عملية الإعدام و كأنها تُطبّق عليه هو شخصياً. كلهم هكذا باديء الأمر، يغضبون، يهيجون، يبالغون… أي كلمة طنانة تلك التي يتشدقون بها ” الكفاءة “!

” و من ثمَّ ؟ “

” سيعتاد على الوضع كالآخرين، لديهم الكثير للقيام به، حتى أنهم لن يفكروا بالأمر مجدداً، إلى أن يحل يومهم  المقرر . إنما حينها: من يستطيع قراءة أذهان الزعماء!، فهم يعطون انطباعاً بأنهم لا يفكرون بالأمربتاتاً.  مزيدٌ من الجعة ؟! “

  * هذه هي ترجمة المشهد الأول فقط من القصة التي نشرت ضمن مجموعة ” أرقام في الظلام ” و تضمنت مشاهد مختلفة حول نفس الموضوع.

اترك تعليقا